الآن، وقد ارتاحت الرياض وأبوظبي للعزلة المفروضة على قطر.. سيُدهشك ما تفعله الدوحة!

129 views مشاهدة

إلى الشمال من العاصمة القطرية، الدوحة، تقع مدينة لوسيل الجديدة، التي تُشبه المتاهة بشكل شوارعها وأبراجها التي لم تنته بعد، تلوح العشرات من الرافعات فوق مواقع البناء، وتشير لافتات التوجيه في الشوارع إلى المبنى الحكومي الوحيد قيد التشغيل في المنطقة، وهو مبنى وزارة الاقتصاد.

ستلمح في تلك المنطقة بعضَ الملابس المغسولة، المنشورة من أجل تجفيفها في شرفةٍ خارجية، وهي الدليل الوحيد على حياةٍ يومية في هذه المدينة الواقعة على الواجهة البحرية قرب الدوحة، والتي من المُخطَّط لها أن تستوعب 200 ألف نسمة.

هنا ستقام المباراة النهائية لكأس العالم


من المُفتَرَض أن يستضيف ستاد لوسيل، الذي يتسع لـ80 ألف مُشجِّع، المباراة النهائية لكأس العالم لكرة القدم عام 2022.

ويأتي التحوُّل السريع للمدينة، من صحراءٍ جرداء إلى مركزٍ عالمي، في وقتٍ تواجه فيه بقية دولة قطر التهديد الخارجي الأخطر في تاريخها الممتد عبر أربعة عقود، ألا وهو حظر السفر والحصار التجاري المفروضَين على قطر منذ يونيو/حزيران من العام الماضي 2017، من قِبَلِ أربعة دول -هي السعودية والإمارات والبحرين ومصر- إثر ما يُزعَم أنه دعمٌ من جانبِ شبه الجزيرة القطرية للإرهاب.

لقد حوَّل هذا الشقاق حلفاء الولايات المتحدة الأقوياء في المنطقة ضد بعضهم، ما قوَّض محاولات واشنطن لبناء جبهة متحدة ضد الإرهاب وضد إيران. وتنشط الولايات المتحدة، التي تمتلك قاعدةً عسكرية في قطر، بصورةٍ متزايدة في السعي من أجل التوصُّلِ إلى اتفاقِ تسوية، لكن قليلين هم من يعتقدون أن بالإمكان تحقيق تقدُّمٍ وشيك، مع ارتياح الرياض وأبوظبي للعزلة المفروضة على الدوحة.

نعم حاصروها، لكنها تواجه أثَرَهُ

وتُعوِّض قطر، وهي الدولة الأغنى في العالم على أساس نصيب الفرد من الثروة، الأثر الاقتصادي للحصار، من خلال المُضي قُدُمًا في برنامج تطوير البنية التحتية الذي تبلغ تكلفته 200 مليار دولار، وبناء الطرق ومدِّ خطوط السكك الحديدية.

وأعادت الحكومة توجيه 50 مليار دولار من الاحتياطات وصندوق الثروة السيادية للبلاد، لحماية القطاع المصرفي وسعر الصرف.

وقال جهاد أزور، المدير الإقليمي لدى صندوق النقد الدولي “تمكَّنَت قطر من التكيُّف، من خلال عددٍ من التدابير التي اتَّخَذَتها للتعويض عن التهديد الذي تتعرَّض له التجارة وكذلك التمويل”.

وأضاف “لكن هذا ليس وضعاً أمثل. فأي فرقٍ تجاري بين الدول المُجاوِرة سيؤثِّر على معنويات المستثمرين”.

طردوهم، ولكنهم مستمرون بوجه الحصار

قَطَعَ الحصار، الذي فُرِضَ في يونيو/حزيران الماضي، خطوط الإمداد الرئيسية لدى قطر -الحدود البرية مع السعودية وطرق الشحن إلى مركز إعادة التصدير في ميناء جبل علي في دبي- وقَطَعَ مساراتٍ جوية تُقدَّر بخُمس المقاعد التي تبيعها الخطوط الجوية القطرية، التي هدَّدَت برفع قضيةٍ لما تعرَّضَت له من أضرار. وطُرِدَ جميع القطريين من الأربع دول التي تفرض الحصار، ما فَصَلَ بين العائلات المرتبطة معاً بأجيالٍ من الزيجات.

ويُحسَب أن الحصار قد كلَّف الاقتصاد في انخفاض النمو، وارتفاع تكاليف الواردات، وأجبَرَ الحكومة على إعادة مليارات من محفظة استثماراتها الخارجية، التي تُقدَّر بـ340 مليار دولار، لدعم النظام المالي الذي يقول رجالُ أعمالٍ محليون إنه يظل عرضةً لنقص العملة الصعبة. وقد خفَّضَ صندوق الثروة السيادية للبلاد بعض الحصص في الخارج، مثل الحصة في شركة تيفاني آند كومباني، المُختَصَّة بالذهب والمجوهرات، ومصرف كريدي سويس، من أجل توجيه الأموال نحو إجراءاتٍ محلية طارئة. وخلال الشهر الماضي، أبريل/نيسان، نَجَحَ الصندوق في إصدارِ سنداتٍ بقيمة 12 مليار دولار.

هنا بداية الأزمة بين الدول

اندلعت الأزمة حين غضبت الرياض وأبوظبي، إزاء الدعم الذي تُقدِّمه دولة قطر للحركات الإسلامية الشعبية التي انبثقت من صَخَب الربيع العربي، بالإضافة إلى المزيد من التنظيمات القائمة بالفعل، مثل جماعة الإخوان المسلمين، التي حكمت مصر لفترةٍ قصيرة، وحركة حماس الفلسطينية. لقد خافت العاصمتان من أن هذه الجماعات يمكن أن تقلب الملكيات المحافظة في الخليج. وعمَّقَت التغطية التلفزيونية لشبكة الجزيرة المملوكة لقطر للأوضاع الراهنة من ذلك الغضب.

خُفِّضَت المطالب الأولية للدول الأربع، مثل إغلاق قناة الجزيرة وقاعدة عسكرية تركية في البلاد، إلى ستة مطالب منها مكافحة التطرُّف وعدم التدخُّل في شؤون البلاد المجاورة. وتنكر قطر تلك المزاعم، مُصرِّحةً بأنها لن تقبل فرض أي حدود على سيادتها.

وجاء الانسحاب من الصفقة النووية

جاء قرار إدارة ترمب الأسبوع الماضي بالانسحاب من الصفقة النووية الإيرانية بدعمٍ حماسي من جانبِ خصوم الدوحة في الرياض وأبو ظبي. ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى اشتداد الأزمة القطرية، نظراً لاعتمادها المتنامي على طرق الشحن إلى إيران وجيرانها المحايدين في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عمان والكويت، اللتين تسعيان إلى توثيق العلاقات التجارية مع الجمهورية الإسلامية.

يقول المسؤولون القطريون إن مستوى التجارة مع إيران ضئيلٌ مقارنةً بأحجام التجارة الأكبر مع دبي.

تقول لولوة الخاطر، المتحدثة باسم وزارة الخارجية القطرية “تهيمن الإمارات على 90% من التجارة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وإيران، حتى بعد الحصار المفروض على قطر”. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الواردات القطرية من إيران ارتفعت منذ فرض الحصار، ولكنها لا تزال أقل من الواردات من الإمارات.

هكذا تحول العجز إلى فائض

الدوحة اليوم تفكر في تعزيز النمو بدرجة تكفي لملء المراكز التجارية والأبراج السكنية المرتفعة عبر الزحف العمراني في العاصمة. فبعدما بلغ العجز المالي 1.6% العام الماضي من إجمالي الناتج المحلي، من المتوقع أن يصل عام 2018 إلى فائض بنسبة 2.8% مع ارتفاع أسعار النفط الخام لتساوي حوالي 80 دولاراً أميركياً للبرميل، وفقاً لبحث أجرته مجموعة Mitsubishi UFJ Financial Group.

تُعد معدلات النمو غير المرتبطة بالنفط، التي بلغت 4% هذا العام، أفضل من تلك التي يتمتَع بها جيرانها، ولكن الاقتصاد القطري المحلي يمثل صورةً منعكسة عن وضعها السابق، إذ بلغ متوسط النمو أكثر من 12% بين عامي 2000 و2014، وهي الفترة التي قفز فيها عدد السكان من 600 ألف إلى 2.5 مليون شخص.

بالرغم من أن هذا الأمر قوبل بإنفاق الحكومة على البنية التحتية، فإن الزخم دخل في طور البطء بالفعل قبل الحصار، متسلِّلاً إلى قطاعات الخدمات والبيع بالتجزئة والضيافة. يقول أحد الاستشاريين الغربيين لـFinancal Times “تتمثَّل 15% من تلك الضربة الاقتصادية بسبب الحصار، أما الباقي هو بمثابة إصلاح كان سيجري بأي حال”.

تقليص معدلات إشغال الفنادق

وتقول شركة Debenham Thouard Zadelhoff الاستشارية إن الإحصاءات الرسمية تشير إلى انخفاض الزوار الوافدين إلى قطر بنسبة 23% عام 2017، أي وصلوا إلى 2.3 مليون، ما أدى إلى تقليص معدلات الغرف وإشغال الفنادق، في خضم خططٍ لزيادة الإمكانات بنسبة 75% قبل انطلاق كأس العالم. وتضم شبه الجزيرة الصغيرة 21 مركزاً تجارياً، ومن المُقرَّر افتتاح 4 أخرى هذا العام، وبالتالي ستغرق الأسواق بمساحاتٍ للبيع بالتجزئة أمام انخفاض ثقة المستهلك.

انخفاض الإيجارات

وأدى انخفاض الإنفاق وزيادة الموارد والحصار إلى الضغط على الإيجارات في اتجاه الانخفاض. إذ تراجعت أسعار العقارات السكنية تقريباً بنسبة 20% مقارنة بأعلى نسبة وصلت إليها عام 2016، وفقاً لإحصاءات البنك المركزي. وتعمل مجموعة شركات القطاع الخاص والعديد من الأقسام الحكومية على تقليل الميزانية وخفض تكاليف الموظفين.

يقول أحد المصرفيين القطريين “هناك زيادةٌ مفرطة في إمداد المراكز التجارية والمباني والفنادق، لكن الحكومة على الأقل تستثمر”.

ولكنها وسعت صفقات الغاز الطبيعي

تعمل أكبر دولة مُصدِّرة للغاز الطبيعي في العالم على توسيع عقودها لتشمل صفقات إمداد طويلة الأجل جديدة لبنغلاديش وفيتنام، إضافة إلى إطلاق شراكات مع القطاع الخاص للمناطق اللوجيستية ومشروعات البنية التحتية الأخرى.

ويضم جدول الأعمال الإصلاح التنظيمي أيضاً، إذ تُخفِّف قطر من القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي، وتأمل في جذب المزيد من السياح عن طريق تخفيف القيود التنظيمية المفروضة على التأشيرات.

يقول علي شريف العمادي، وزير المالية، إن تغيير القانون ليسمح للأجانب بشراء عقارات في أي مكان بقطر، وكذلك فإن طرح السماح لهم بامتلاك مشروعات دون شريك محلي من شأنه مساعدة البلاد على تحقيق رؤيتها في أن تصبح وجهةً للاستثمار.

وإلى جانب عدم الاعتراف بأي مفارقة تكمن في سعي دولة قطر المعزولة لأن تصبح مركزاً تجارياً، يقول العمادي إن الخطوط الجوية للبلاد إلى جانب مينائها الجديد سيُعزِّزان النمو. ويتحدَّث المسؤولون بشأن إعادة تصنيفها لتصبح “قطر العالمية”، مع بسط نفوذها لتصل إلى ما هو أبعد من الشركاء التجاريين.

ينافسون أيضاً رغم الحصار

يقول العمادي “سنكون واحدة من أكثر الدول تنافسية في المنطقة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة”. جذبت قطر 774 مليون دولار أميركي من الاستثمارات المباشرة عام 2016، وهي أحدث إحصاءات متاحة من الأمم المتحدة، بانخفاض عن المليار دولار في عام 2015، وأيضاً أقل بكثير عن متوسط ما قبل الأزمة الذي بلغ 3.6 مليار دولار بين عامي 2005 و2007.

وعلى الصعيد المحلي، يبدو أن الأمة توحَّدَت رداً على الحصار عن طريق دعم الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بكل إخلاص.

ويُزيَّن كلُّ مبنى تقريباً بصورٍ مرسومة للحاكم. إذ أصبح الزعيم البالغ 37 عاماً بطلاً قومياً في نظر القطريين. كذلك يلوح العديد من المغتربين في البلاد بصورته تشجيعاً لقطر “للتغلُّب على الحصار”، حتى وإن أبدى أحد المغتربين المخضرمين إجفاله تجاه الطابع “الأورويلي” للخطاب الوطني.

تقول هيا الوليد آل ثاني، الطالبة في جامعة جورج تاون في الدوحة: “وحَّدَ الحصار البلد بأكمله: المواطنون والسكان والطلاب. حتى وإن جرت تسوية للأمور فنحن لن نزور تلك الدول لسنوات لأننا لا نثق بهم. كيف يمكن أن تعود الأمور إلى مجراها؟”.

لقد كانت قطر هنا من قبل. في عام 2014، سحبت السعودية والإمارات والبحرين سفرائهم في خلافٍ حول نفس الادعاءات المتعلقة بدعم الحركات الإسلامية. وعلى الرغم من التوصُّل إلى اتفاق تسوية في ذلك العام، فقد راكَمَ المسؤولون القطريون مخزوناً استراتيجياً من المواد الغذائية ترقُّباً ليوم قد يفرض فيه جيرانهم عقوباتٍ تُحوِّلهم من شبه جزيرة إلى جزيرة (في إشارة إلى العزلة والحصار). عندما أُطلِقَ الحظر، هرع الناس إلى الشراء وأصبحت رفوف الأسواق خاوية، ولكن أُعيد تزويدها في غضون ساعات.

وعبر ميناء حمد، الذي يعمل بكامل طاقته، منذ ديسمبر/كانون الأول 2016، كانت قطر تعيد تشكيل خطوط الإمداد، وفتح 10 طرق مباشرة إلى دول تتراوح من عمان وتركيا إلى الهند والصين.

التركيز القطري على الأمن الاقتصادي

يقول التجار في سوق الدوحة القديم إنهم يستطيعون الحصول على بعض السلع من هذه الطرق الجديدة، لكن العديد منهم لا يزالون يعتمدون على نقل البضائع من دبي عبر سلطنة عمان المحايدة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار.

وعلى المستوى الوطني، ارتفع تضخُّم أسعار الغذاء والنقل في أعقاب الحصار، على الرغم من أن سلاسل التوريد الجديدة يعني أنها تتراجع الآن.

لقد أدى التركيز القطري على الأمن الاقتصادي إلى إحياء مفهوم استبدال الواردات غير المعهود، والذي يعني استبدال الواردات بالسلع المنتجة محلياً.

تمتلئ الآن محلات البقالة التي كانت في الماضي مليئة بالخضراوات ومنتجات الألبان السعودية، بالحليب والزبادي من الأبقار المحلية، وكذلك الفواكه من إيران، والخضراوات من بنغلاديش. ويقوم القطريون بتربية المواشي وزراعة خضراواتهم للبيع في أسواق المزارعين في المدينة.

وفي تطوُّرٍ حديثٍ للاكتفاء الذاتي، تقوم مؤسسة مالية محلية بإعداد أول صندوق أسهم خاص في قطر، لتقديم الدعم المالي لمشاريع محلية مثل إنتاج الأدوية الأساسية.

يقول الشيخ محمد آل ثاني، وزير التجارة والاقتصاد السابق “يمكننا أن نواجه هذا التهديد. نحن نعلم أننا نربح وهم يخسرون”.

غير أن المسؤولين السعوديين والإماراتيين يعتقدون أن بإمكانهم المحافظة على المقاطعة بسهولة. يقول محمد اليحيى، زميل غير مقيم في مركز الأطلسي بواشنطن: “إنَّ العواقب المُتَرَتِّبة على القطيعة طويلة الأمد غير متماثلة؛ فالدول الأربع لا تعاني بقدر ما تعانيه قطر”.

هل تنتهي الأزمة قبل مونديال 2022

سيزداد الضغط من أجل التوصل إلى حل وسط، خاصة مع اقتراب مونديال قطر 2022. لكن الحديث العدواني في الدوحة في الوقت الراهن يعكس آفاق قاتمة لحل الأزمة. وصف ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في شهر مارس/آذار النزاع بأنه “تافه”.

وأعربت أبوظبي، أبرز معارضي الدوحة، عن رضاها عن المقاطعة، بحجة أنَّها أجبرت قطر على التركيز على اقتصادها، والتوقف عن التدخل في مناطق الصراع من ليبيا إلى سوريا.

وقد أُقنِع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان في السابق مُتشدِّداً على قطر، بالضغط من أجل التوصُّل إلى حل، كما يقول المسؤولون. وقام وزير خارجيته الجديد، مايك بومبيو، بزيارةٍ إلى الرياض، في أبريل/نيسان، للدفع نحو التوصُّل إلى تسويةٍ، لكن دون جدوى.

وتقول لولوة الخاطر “نحن على استعدادٍ للتعامل مع المخاوف، لكننا نطلب من جيراننا أيضاً النظر في مخاوفنا. حقيقة أنهم يمكن أن يحاصرونا بين عشية وضحاها، وأن يطردوا المواطنين… يجب عليهم احترام سيادة قطر”.

ويُصرُّ القطريون على أن شراكاتهم الجديدة مستمرة هنا، وأنهم لا يرغبون في العودة إلى اعتمادهم السابق على شركائهم الخليجيين. ويقول العمادي: “سنواصل القيام بما هو مناسب لاقتصادنا. كنَّا دائما نقول إننا جزءٌ من دول مجلس التعاون الخليجي ونريد الحوار، ولكن يأتي أيضاً اقتصادنا وشعبنا كأولوية. وسيكونون أولويةً دائماً”.

المصدر : مستمرون

Print Friendly, PDF & Email
2018-05-17

مشرف
error: يمنع النسخ